لماذا تصبح المحاكاة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ضرورة أساسية للتدريب العسكري الحديث
يقال إن الممارسة تصنع الإتقان. لكن التدريب في قطاع الدفاع يواجه قيوداً متزايدة، قيوداً تفرضها الميزانيات، والسلامة، والتعقيد. وفي هذا المقال الافتتاحي، يجادل غاري ووترفول CBE بأن المحاكاة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ستصبح ضرورة أساسية لمعالجة الفجوات بين الاستعداد للحرب والتدريب في العالم الواقعي.
بقلم نائب المارشال الجوي المتقاعد غاري ووترفول CBE، المتحدث باسم آيتيك (ITEC)، نُشر في 31 مارس 2026.
في عام 2011، استجابت المملكة المتحدة بسرعة للأزمة المتصاعدة في ليبيا، وتولت مهمة حماية المدنيين بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1973 (UNSCR 1973)، منفذةً ذلك من الجو والبحر. وكانت تلك بداية دخول تايفون (Typhoon) في دور الهجوم الجوي-الأرضي، وعند تحليقها في تشكيلات مختلطة مع تورنادو (Tornado) أثبتت الطائرتان أنهما تشكلان مزيجاً بالغ الفاعلية. وإلى جانب ذلك، أدت البحرية الملكية دوراً محورياً في العمليات العالية الخطورة لإجلاء الأشخاص المستحقين في بداية النزاع، ثم اندمجت لاحقاً مع الحملة الجوية من خلال الإسناد الناري البحري (Naval Gunfire Support) للضربات الساحلية عند الحاجة. ومع تنفيذ إيه إتش 64 (AH64) لعملياتها انطلاقاً من إتش إم إس أوشن (HMS OCEAN)، كان ذلك جهداً متعدد المجالات. ومع ذلك، فإن كل التدريب والتمرين على المهام جرى في الزمن الحقيقي، مع أسلوب «الاختبار والتعديل» في الأجواء الليبية نفسها.
وكان مركز التدريب على مجال المعركة الجوية (Air Battlespace Training Centre, ABTC) في قاعدة سلاح الجو الملكي وادينغتون (RAF Waddington) لا يزال في مراحله الأولى، وكان تركيزه منصباً بالكامل على تطوير وتدريب أطقم إيه إتش 46 (AH46) قبل نشرها إلى أفغانستان. ولو كان المركز آنذاك في مرحلة أكثر تقدماً، كتلك التي وصل إليها اليوم مع غلادياتور (GLADIATOR)، الذي يطور بنية تحتية تدريبية اصطناعية موزعة عبر سلاح الجو الملكي، لكان من الممكن إجراء تمرين حقيقي على المهام بصورة اصطناعية. وكان ذلك سيتيح للمملكة المتحدة تسخير أكثر التكتيكات والإجراءات فاعلية قبل استخدامها في العمليات، بدلاً من التعلم بالطريقة الصعبة عندما لا تسير الأمور كما ينبغي.
وينطبق الأمر نفسه على استخدام الأسلحة، وكذلك على عمليات تحميل الأسلحة وإعادة تهيئتها وإعادة تسليحها بسرعة عبر قوة تايفون (Typhoon) التي كانت جديدة على هذا المجال، وهنا أيضاً كان يمكن لتوظيف الواقع المعزز والمجال الاصطناعي أن يشكل مضاعف قوة. لكن في عام 2011، ربما لم تكن التكنولوجيا قد نضجت بما يكفي، وحتى لو كانت كذلك، فإن الثقافة والعقلية لم تكونا كذلك بالتأكيد.
أما اليوم، فتواجه القوات المسلحة تحدياً أساسياً. فطبيعة الحرب تتطور بسرعة استثنائية، في حين تصبح البيئات التي تستطيع فيها الجيوش التدريب بأمان وبتكلفة معقولة أكثر تقييداً. وفي الوقت نفسه، تحتاج قواتنا إلى الاستعداد لاستخدام أنظمة تسليح شديدة التطور في مجالات تزداد تنازعاً. كما تحتاج إلى فهم الدور المتنامي للعمليات السيبرانية والفضائية والاستعداد له. وكل ذلك معاً يعني أن الاعتماد على أساليب التدريب التقليدية وحدها لم يعد كافياً.
ومن ثم، فإن إعداد قوات ممكّنة تكنولوجياً يتطلب تحولاً مستمراً في الطريقة التي تتعامل بها الجيوش مع التدريب والتعليم. ولم يعد الأمر يتعلق فقط باعتماد تقنيات جديدة، بل بضمان قدرة الأفراد في جميع الرتب على العمل بثقة داخل ساحة معركة تزداد رقمية وترابطاً واعتماداً على البيانات.
غير أن هناك حلاً محتملاً يلوح في الأفق. فقد نوقشت المحاكاة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في الأوساط الدفاعية لعدد من السنوات، لكنها باتت الآن تتحول إلى واقع. وهذا النوع من المحاكاة يصبح بسرعة واحداً من أهم الأدوات المتاحة أمام المؤسسات الدفاعية.
التدريب الاصطناعي: ما الذي تغيّر؟

جنود يستخدمون جهاز التدريب الاصطناعي المشترك من إلبيت سيستمز المملكة المتحدة (Elbit Systems UK). ويمكن استخدام النظام لمحاكاة تكامل الأسلحة المشتركة، بما في ذلك الإجراءات القادمة من أجهزة تدريب أخرى. المصدر: إلبيت سيستمز المملكة المتحدة.
أدت المحاكاة دوراً مهماً على مدى عقود في إعداد الأفراد للمهام المعقدة. فقد دعمت أجهزة محاكاة الطيران، وأنظمة التمرين على المهام، والبيئات الاصطناعية التدريب العسكري منذ فترة طويلة. أما ما يتغير الآن فهو السرعة والنطاق اللذان يمكن أن تتطور بهما المحاكاة. فالذكاء الاصطناعي يتيح بيئات تدريب أكثر استجابة، وأكثر تكيفاً، وأكثر واقعية بدرجة كبيرة من تلك التي كانت متاحة في الماضي.
وأحد أوضح العوامل الدافعة وراء هذا التحول هو الصعوبة المتزايدة في تكرار ظروف العالم الواقعي من خلال التدريب الحي وحده. فالعمليات الحديثة تمتد عبر البر والبحر والجو والفضاء السيبراني والفضاء الخارجي، وغالباً ما تشمل قوات متعددة الجنسيات وقدرات شديدة التقدم. وإعادة خلق هذا التعقيد في تدريبات ميدانية فعلية أمر بالغ الصعوبة، وغالباً ما يكون مكلفاً إلى حد يمنع تنفيذه. ونتيجة لذلك، يميل التدريب إلى إعطاء الأولوية لاختبار التدريبات الفردية بدلاً من محاكاة القتال الكامل الأطياف. كما أنه يفرض في كثير من الأحيان قيوداً مصطنعة للحفاظ على السلامة وإدارة المخاطر، وهو ما قد يحد من الواقعية ويقلل من التعرض لأنواع عدم اليقين والشدة التي تظهر في العمليات الفعلية. وهذا لا يعني أن الفعل المادي للطيران أو قيادة مركبة برية يجب أن يُستبدل، لكنه يمكن أن يُعزّز بكفاءة أكبر.
وتتيح المحاكاة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للمؤسسات الدفاعية بناء بيئات اصطناعية تعكس تعقيد الصراع الحديث. إذ يمكن إعادة إنشاء ساحات قتال كاملة رقمياً، وملؤها بأنظمة ذكية تتصرف بطرق تعكس الخصوم الحقيقيين وديناميكيات العمليات. ويمكن لهذه البيئات أن تتطور استجابة لقرارات المتدربين، مولدةً سيناريوهات تبدو أصيلة وغير متوقعة.
وتُعد هذه القدرة على توليد تعقيد واقعي أمراً أساسياً في إعداد الأفراد للعمل في الصراع الحديث. فالقادة مضطرون إلى اتخاذ قرارات سريعة في بيئات تتسم بمعلومات غير مكتملة وتغير مستمر. ولذلك، فمن المنطقي أن يكون التدريب الاصطناعي الذي يعرّض الأفراد والفرق لهذا النوع من الضغط أمراً حيوياً.
من التكيف إلى الإخفاق الآمن
ومن المزايا الكبرى الأخرى للتدريب والمحاكاة الاصطناعيين المدعومين بالذكاء الاصطناعي القدرة على التكيف. فبرامج التدريب التقليدية تتبع غالباً هياكل ثابتة. وبرغم فاعليتها في كثير من السياقات، فإنها قد تجد صعوبة في مواكبة المتطلبات العملياتية المتغيرة. أما الذكاء الاصطناعي فيوفر إمكانية تصميم التدريب بصورة ديناميكية وفق احتياجات المتعلمين الأفراد والفرق.
ويمكن لأنظمة التعلم التكيفية أن تحلل الأداء في الزمن الحقيقي، وأن تعدل بيئة التدريب تبعاً لذلك. فإذا أظهر المتدرب إتقاناً لمهارات معينة، يمكن للنظام أن يضيف مزيداً من التعقيد. وإذا ظهرت فجوة في المعرفة أو الأداء، يمكن للمحاكاة أن تتكيف لتقديم تحديات موجهة تعزز التعلم.
كما أن الذكاء الاصطناعي يغيّر أيضاً طريقة تحليل الأداء. فأنظمة المحاكاة الحديثة تولد كميات هائلة من البيانات، ترصد كل إجراء يُتخذ خلال التمرين. ويمكن لأدوات التحليل المدفوعة بالذكاء الاصطناعي معالجة هذه المعلومات لتحديد أنماط كان من الممكن أن تظل خفية لولا ذلك. وهكذا، يمكن للمدربين الحصول على رؤى أعمق بشأن اتخاذ القرار والعمل الجماعي والفاعلية العملياتية.
البناء على أسس متينة

جنود يعملون على إصابة محاكاة باستخدام وسائل تدريب من ليردال ميديكال (Laerdal Medical). المصدر: ليردال ميديكال.
ومن المهم أن تطوير هذه التقنيات لا يجري فقط داخل القطاع الدفاعي التقليدي. فبعض أبرز التطورات في البيئات الغامرة، والذكاء الاصطناعي، والتفاعل الرقمي، تأتي من قطاعات مثل الألعاب، والتصور المتقدم، والتدريب على الاستجابة للطوارئ. وقد أمضت هذه القطاعات سنوات في صقل تقنيات تخلق عوالم افتراضية مقنعة وتفاعلاً بشرياً واقعياً.
ونتيجة لذلك، فإن مستقبل التدريب العسكري سيعتمد بشكل متزايد على التعاون عبر منظومة أوسع من المبتكرين. وستسلط فعاليات مثل آيتيك (ITEC)، التي تُعقد في لندن في أبريل، الضوء على الكيفية التي يسرّع بها التعاون بين الدفاع والصناعة والأوساط الأكاديمية وقطاعات التكنولوجيا الناشئة التقدم في مجال التدريب العسكري. فالمؤسسات غير التقليدية في قطاع الدفاع تجلب معها رؤى جديدة وخبرة تقنية يمكن أن تسرع تطوير قدرات المحاكاة من الجيل التالي.
وتُظهر مساهماتها كيف يمكن للتقنيات ذات الاستخدام المزدوج أن تعزز الجاهزية الدفاعية، وفي الوقت نفسه تفيد القطاعات المدنية مثل الاستجابة للكوارث والسلامة العامة. فعلى سبيل المثال، تتيح أجهزة المحاكاة الطبية عالية الدقة التي طورتها ليردال ميديكال (Laerdal Medical)، والمستخدمة على نطاق واسع في المستشفيات ومراكز التدريب الأوروبية، للأطباء والمسعفين العسكريين التمرن على سيناريوهات طوارئ معقدة في بيئة مضبوطة، ما يوضح كيف يمكن لتقنيات المحاكاة المتقدمة أن تدعم الجاهزية الدفاعية وأنظمة الرعاية الصحية المدنية معاً.
تعليق كاليبر ديفنس: مستقبل الذكاء الاصطناعي في المحاكاة الدفاعية
عند النظر إلى المستقبل، من المرجح أن تتوسع إمكانات الذكاء الاصطناعي داخل التدريب العسكري أكثر فأكثر. فقد تتطور الأنظمة المستقبلية نحو بُنى تدريب ذكية تتعلم باستمرار من البيانات المتولدة عبر تدريبات وسياقات عملياتية متعددة. ويمكن لهذه البُنى أن تنقح السيناريوهات تلقائياً، وتحدّث سلوكيات التهديد، وتحسّن مسارات التدريب للأفراد والفرق. وإذا تحقق هذا الإمكان بالكامل، فقد يصبح الذكاء الاصطناعي حجر زاوية في الطريقة التي تبني بها القوات المسلحة جاهزيتها داخل بيئة أمنية تزداد تعقيداً.
إذا كنتم ترغبون في قراءة المزيد عن المحاكاة والبيئات الاصطناعية في التدريب الدفاعي، فاطلعوا على الروابط أدناه:
- بي إيه إي سيستمز (BAE) وأفيونيك (Avioniq) تختبران الذكاء الاصطناعي على يوروفايتر تايفون (Eurofighter Typhoon) – كاليبر ديفنس – Calibre Defence
- (إلبيت سيستمز المملكة المتحدة (Elbit Systems UK)، تضيف البعد المشترك إلى النيران المشتركة البريطانية – كاليبر ديفنس) – Calibre Defence
- فارجو (Varjo) تطلق الأنظمة المتكاملة للواقع الممتد (Integrated XR Systems) – كاليبر ديفنس – Calibre Defence
تُظهر الصورة الرئيسية أحد المشاركين في آيتيك 2025 داخل جهاز محاكاة طيران. المصدر: آيتيك.
ويدعم نائب المارشال الجوي المتقاعد غاري ووترفول CBE الحوار الدولي حول هذه التطورات من خلال دوره بصفته متحدثاً باسم آيتيك (ITEC). ويجمع هذا الحدث بين القادة العسكريين والباحثين ومبتكري التكنولوجيا لاستكشاف الكيفية التي يمكن بها للتقنيات الناشئة أن تعزز التدريب الدفاعي والتشغيل البيني والجاهزية متعددة الجنسيات. وبوصفه أحد أبرز المنتديات العالمية المكرسة للتدريب والمحاكاة في قطاع الدفاع، يعمل آيتيك (ITEC) منصة جامعة للحكومات والقوات المسلحة والصناعة والأوساط الأكاديمية لتبادل الرؤى والتعاون بشأن مستقبل التدريب العسكري.

Get insider news, tips, and updates. No spam, just the good stuff!





